لعل الشاعر المراكشي إسماعيل زويريق - في تحفته : أبكيك أمي - يكون نموذجا لهؤلاء المبدعين المحدثين الذين استوعبت حساسيتهم الجمالية، تلك المتغيرات النوعية في المتخيل الفني، واستطاعوا أن يترجموا وعيهم بها إلى تقنيات، خاصة أن خبرته العميقة ومعايشته الحميمة للغة العربية وإيقاعاتها الكلاسيكية قد جعلته قادرا على صناعة هذا "المزج" بين صورة الكلام المعهودة وكلام الصورة الجديد،
وظلت هذه النقطة الحادة تستقطب طاقته وتمثل بؤرة انصباب أسلوبه. قد لعب شعر الزميل إسماعيل زويريق دورا رائدا في تمثيل النفس البشرية في فترة تحولات أليمة، جعلته يلقب بشاعر مراكش المستحيي.فقد حرص من خلال التجوال بين خمائله على إعادة تشكيل صورة الذات مرة أخرى. لكن الطابع الزماني الحميم لهذا الشعر يجعله وثيقة فنية بالغة الأهمية على صراع المتغيرات بين الوجدان والوفاء للصداقة، هذا المعدن الأصيل الذي أصبح منبوذا في حياتنا المعاصرة.
وتأتي قصيدة "أبكيك أمي" - لتمثل عنوان المجموعة الشعرية التي فاقت ( 37 ) قصيدة - والتي لم يتجاوز عددها السبع صفحاتها، المنطلق الواعد لهذا الحس الوجداني في التعبير الشعري، فهي إكليل مدهش لرجل تماهى مع الذات والآخر لدرجة الحيلولة. صب فيه كلماته المشحونة بعاطفة الحرية والمخنوقة في نفس الوقت بالواقع المكمم لها في الحياة اليومية.. ويبتدع إسماعيل زويريق في توزيع قصيدته إلى مقاطع مصطلحان جديدان هما كلمتا "كمد وكبد " اللتان تشيران إلى الصوت الناطق في القصيدة، لكننا عندما نتتبع حركة الأصوات بدقة نجدها جميعا تعود إلى صوت واحد هو "العاطفة الأليمة" ذاتها، المعبرة عن الرفض ليتم عرض بقية وحداتها الدلالية على هذه الخلفية وتفسيرها طبقا له.
وإذا كان هذا المزج الأول يعبر هكذا، باقتصاد لغوي شديد عن تعليق عام غير منظور على المشهد الذي سيتحدث فيه الفراق، فإنه ينظم مجال إدراكنا له على مستوى الزمكان - وهو أساسي في منطق الصورة المرئية - عندما يضع كل صورة في مواجهة أخرى، ويحسم اختياره في الوقوف في صف أحدهما على مسرح الأحداث النفسية. فالأبيات على صبغتها الفكرية لا تتردد في تنظيم مدركاتنا الحسية طبقا لتصورنا عن النفس البشرية، لا تمضي وراء مجردات قيمية، بل توزع الأدوار على جانبي المشهد، صانعة مفارقته الكبرى، وهي تؤكد أن الذي نراه حسيا هو الذي سيحيى ويظل روحا أبديا، حيث تظل المفارقة في التعبير هي الغالبة على القصيدة عبر مستويات عديدة، إذ تستخدم أسلوب المزج الدرامي وليس فيها تعدد الأصوات، بل مجرد ترجيع ومراجعة للذات، وتضع قناع التراث الاستسلامي وتقصد الفوران الداخلي، وتدعو في إلحاح إلى الخضوع وهي بالغة الثورية، لأنها من وراء كل ذلك تختار قيمة إنسانية كبرى توجه مصائر البشر في الحياة الفانية مؤرقة الإنسان كل يوم، وهي قيمة الاستسلام الإيماني، لكنها تفعل ذلك كله بشكل بصري عندما تجعل كلامها هو كلام الصورة الماثلة في مشهد "الفراق الأخير" شعرا، أي تقول كلاما وتقصد كلاما آخر، فكأن المجاز اللغوي ينتقل في القصيدة ليصبح مجازا مرئيا، فهذا الفراق الغير مألوف هو الذي لا تزال ترن كلماته في سمع القارئ، وهو عندما يطلق وصيته لباكي الليل، إنما يؤكد عكس ذلك بالضبط بحسرة مريرة وإن كانت حارقة. كما يستحضر كل شهداء الدهر الذين اكتووا بنار الفراق، لتظل الصورة الفنية المتمثلة في كلمات الشعر هي التقنية التعبيرية الغالبة على هذه القصيدة.
إن عين الشاعر في هذه القصيدة تصويرية، تكفي برصد مشاهد من واقع الفراق الماثل حينئذ وتلفقها في منظومة متحركة تنطق عبر المفردات المتلونة، فهناك حوار بين الصور الفنية وبعضها بموقعها الزمكاني، وهناك تفاعل دلالي وتصويري داخل كل صورة بين المضمون والتعليق عليه، وفي الصور الأخيرة تتزايد دهشتنا لانحراف الدرامي عن الصورة المعتادة، إلى الدرامي الممزوج بالحكمة العاطفية. وإن كانت تبدو ساخرة عابثة في ظاهر الأمر، فإنها مفعمة بحكمة المتمرس ودهاء الشاعر في تصوير الوعي وتوجيه إستراتيجيته، وتأتي الكلمات المكتوبة - على صفحة الإهداء- تصويرا استفساريا للقصيدة في زمن الاستقبال، أي بعد انتهاء الفراق الفاجع، بمنزلة التعليق المرير والتذييل الدامغ للمشهد كله، بحيث تصبح عزاء للذات قبل أن تكون نقدا موجها للمجهول، هذه الذات الجماعية المجلودة. وتتراكم خلف كلمات القصيدة الحبلى بالإشارات طبقات عديدة من الصور الموازية، الموافقة لها تارة والمخالفة تارة أخرى، فالخطاب يتوجه فجأة إليها، إلى هذه الأنثى التي لم يرد ذكر اسمها من قبل وإن كانت حاضرة في وجدان كل قارئ، إنها الأم الحنون ، أعز الأحبة،.
وتنتهي القصيدة بوقفة أمام مرآة الحياة وحوار مع الحقيقة والأوجه الغائبة التي سبقته إلى مستقر الفناء. ومع أن الصورة في هذه القصيدة أيضا هي التي تتكلم، فإن سر القوة فيها يعود إلى تخطيط الشاعر وأسلوبه في تأليف الصور واختيار عناوين لها، وإدارة حركاتها، بحيث يقلب أوضاعها بين التماهي والتقرير، بين الذكرى والتأمل، بين اليوم والغد على وجه التحديد. يبدأ باستحضار الصورة التي لم يصغها هو - مثل أي مودع - لكنه يدرجها في سياق يجعلها تنطق بدلالاتها
شكر
[تاريخ المشاركة : الأربعاء 03-02-2010 03:37 صباحا ]
الاستاذالجليل الحسن لكجديحي
لا اجد من الكلمات ما يفي بالفصد ردا على هذه الاريحية الادبية التي جاءت معبرة عن صدق المشاعر ومبرهنة على ما تكنونه لي من محبة لا يشوبها رياء ولا يسعني امام هذا الكرم الادبي الا ان اتقدم لكم وللصديق العزيز الكاتب الاريب و الصحافي الجليل الاستاذ السعيد مازغ باحر التشكرات واطيب الاماني راجيا من الله ان يهبكم الصحة والعافية وان يمتعكم برضاه ودمتم لخدمة الصالح العام بهذه المدينة من خلال هذا المنبر السامي منارا
اخوكما اسماعيل زويريق