على هامش " بيان تضامني مع الصحفي محمد سعيد مازغ مدير جريدة المسائية العربية الإلكترونية"
وجع التنفس في كيس مغلق...
تمثل حرية التعبير حقًا من الحقوق الأساسية للإنسان, وبالرغم من ذلك, فإن هذا الحق الإنساني شابته كثرة من الإعاقات والموانع في عالمنا العربي عامة ولدينا على وجه الخصوص. لاشك في أن حرية الرأي والتعبير تلقى اهتمامًا واسعًا على المستوى العالمي,
ويتضمن ذلك بداهة حق كل إنسان في اعتناق القيم والآراء التي ينتقيها أو يصل إليها باختياره وبحثه, دون أن يلقى أي نوع من الاضطهاد أو الإعاقة, مادام لا يتجاوز أو يعتدي بهذه الحرية على حقوق الآخرين. وحريته في التعبير عن هذه الآراء ينبغي أن تكون مكفولة بشتى الوسائل, إضافة إلى حريته في الحصول على المعلومات ونقلها إلى الآخرين. كما أنه لكل إنسان الحق في اعتناق الآراء دون مضايقة, ولكل إنسان حق في حرية التعبير, ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأي وسيلة أخرى يختارها.
هذه الإشارة إلى الحق في حرية التعبير, تستدعي بداهة السؤال عن حدود ممارسة هذا الحق, ومن ثم تبرز مسئوليات محددة تستوجب إخضاع هذا الحق لعدد من القيود. وحتى لا تتحول هذه القيود إلى إجراءات تعسّفية تصادر حرية الرأي والتعبير من أساسها, تم وضع بعض الشروط التي تحدّ من جور هذه القيود, وحتى لا نكون كمن يكتفي بالنظر إلى نصف الكوب الفارغ, نقول مع المتتبعين إنه لا يمكن إنكار أن الواقع المعيش يشهد اتساعًا متزايدًا لممارسة حرية الرأي والتعبير سواء بواسطة الصحافة أو بغير ذلك, وهذا لا ينفي وجود خطوط حمراء لا يستطيع الصحفي المسكين الاقتراب منها عند ممارسته لحريته. ويبدو الأمر متفاوتا من صحفي إلى آخر في قدر حرية التعبير المتاح. ومن المفهوم أن وجود تشريع مضيق على الحرية في ظل واقع تتسع فيه ممارسة الحرية أمر يراد به أن تظل عصا التشريع مشهرة في وجه من يجرؤ على الاقتراب من ممارسة حريته من مناطق لا يجوز الاقتراب منها.
ولكن ما مقدار الحرية الذي يتمتع به الإعلام? وهل هو كافٍ في نظر العاملين في هذا الحقل? وإلى أي مدى يمكن أن يعوقهم افتقاد هذه الحرية في ممارسة عملهم? فالصحافة مهنة مزعجة حقا, عندما تتولى مسئولية الفضح وتعرية المسكوت عنه. أحيانًا يتوقف المرء ليسأل نفسه: لماذا الاستمرار في مهنة تحف بها المخاطر إلى هذا الحد؟ خطر السجن, وخطر التوقيف, وخطر الذين يخالفونك في الرأي. ولكن أجدني أواصل العمل بها كأن العيش مع هذه المخاطر قد أصبح نوعًا من الإدمان, إننا نعتقد أن دورنا يجب أن يكون الوسيط في توضيح الرأي العام لا توجيهه, لذلك نحرص كثيرًا على نشر مقالات الرأي.
المشكلة هنا أن هناك بعض الناس يعتقدون أنهم أوصياء على المجتمع يريدون أن ينشروا أشياء ويمنعوا أشياء, وهؤلاء الناس هم الذين يستغلون إجراءات التقاضي. هذه الظاهرة هي التي تقلقنا, لأن هذه الجماعات تستغل سهولة الإجراءات لاستعراض قوتها وتحويل القضايا التي ترفعها إلى قضايا شخصية بارتداء سياسي. ولكن مفهوم الحرية هو أمر مختلف بالتأكيد لدى البعض, فإرادة القلم التي يستخدمونها لا تصبح طيعة إلا عندما تعبّر عن كل مكنونات النفس من رضا وغضب. والصحفي الصادق غاضب دائمًا, لأنه ينظر إلى الواقع بعين انتقادية لا تهدأ, وهو لذلك في حاجة إلى حجم أكبر من الحرية حتى يمارس فيها غضبه على كل مظاهر السلبية.
ولكن كيف يمكن حماية الصحفي? وكيف يمكن ضمان حريته? المشكلة ليست في سهولة أو صعوبة إجراءات التقاضي عندنا كما يعتقد بعض الناس, بل يجب أن تفصل جرائم الرأي عن قانون العقوبات, لأن الجزاءات فيه أكثر قسوة. كما يجب منع الأفراد الذين لم يقع عليهم ضرر مباشر من رفع أي دعوى, لأن هذا أمر منهك لأجهزة القضاء وللصحفيين على السواء.
لا تصدق أن خوف الصحفي الأول هو من السلطة, إن الصحفي يخاف من الشارع, إنه غير قادر على أن يصدمه بحقيقته, زمان كان يعاب على الصحفي نفاقه للسلطة, والآن يعاب عليه نفاقه للعامة وللذين لا يحسنون تقدير الأمور, المشكلة ليست ديكتاتورية السلطة, ولكن ديكتاتورية الشارع, ففي صراعك مع السلطة يمكن أن يتعاطف معك الآخرون, ولكن ماذا يحدث عندما يناصبك الشارع العداء؟؟ كما أن كثيرا من الانتقادات والكتابات تظل حبيسة الجدران, ولولا الصحافة ومقالات الرأي التي نفرد لها صفحات عديدة ما استطاع أحد أن يؤثر في القرار السياسي, وأعتقد أن هذه صفة مهمة تتميز بها الصحافة الملتزمة عن غيرها من الصحف, لولا هذا لمرّت العديد من القضايا والسلبيات دون أن ينتبه إليها أحد. لقد ساهمنا بالنقد في تحسين العديد من المؤسسات, ووقفنا في وجه قوانين وقرارات كنا نعتقد أنها جائزة في حق المواطنين. وأعتقد أننا قمنا بواجبنا في إيصال صوت من لا صوت لهم.
لاشك في أن وجود جهة تراقب حدود الحرية بما لا يضر الأفراد ولا المجتمع هو أمر واقعي على الأقل خلال فترة الانتقائية من الانغلاق والكبت إلى الانفتاح وحرية التعبير, لكن لابد أن يكون منع النشر عن طريق الرقابة أمرًا تحكمه قوانين واضحة يتفق عليها الجميع, وأن تكون مؤسسة على منطق قانوني يحمي حقوق الإنسان, لا منطق سياسي يكرس هذه القوانين لمصلحة فئة أو مجموعة نفوذ.
لحسن كجديحي
|