بواسطة: المسائية العربية بتاريخ : الثلاثاء 15-09-2009 05:05 صباحا
لحسن كجديحي
إن حصيلة العقد الأول من القرن الواحد والعشرين تُثبت أن واقعنا السياسي ليس ميتا، ولكنه ليس مشلولا تماما. فهو لا يزال حيا بمقاوماته الشعبية وممانعاته لدى بعض الأفراد على الأقل، ميتا بسياساته الرسمية التي تعكس أصداء نرجسيات القوى المدعومة للسيطرة، بالقوة وبالعنف المادي واللامادي.
وبين حياة وموت، يتراجع مفهوم الموت الأول، الطبيعي، لمصلحة مفهوم الموت الثاني حيث تبدو الإنسانية غير ممكنة بعد، وتبدو السياسة مستحيلة، عبثية، بقدر ما يعجز السياسي عن جعل التواصل السياسي جسرا بين مختلف الفئات السياسية والواقع الذي يعيشه.
انطلاقا من هذه الحيثيات والتصورات، واستنادا إلى فشل الإصلاح السياسي، واستمرار المدعمين السياسيين في السلطة، مكافأة لهم على تدجين فئات أخرى إلا ما ندر وقاوم (قوى ديموقراطية تعد على رؤوس الأصابع) تغتصب حقوق مواطنيها لحساب مناصبيها. وتعتمد كراهية الآخر والتعصب وسيلة لها. ويبدو جليا هنا تقهقر الشعور بالمواطنة والمساواة لدى الأفراد، فيتراجع لديهم الإحساس بالتضامن المشترك، وينقسم المجتمع إلى فئات معزولة ومتناحرة، في جو عمومي تسوده الكراهية وفقدان الثقة، وبالتالي ينعدم التواصل المطلوب.
إذن كيف بالإمكان حماية النظام الديمقراطي الناشئ من مثل هذه المخاطر الماثلة للعيان ؟؟
بالطبع، فإن ما يهدّد مستقبل الديمقراطية ليس انتظام الناس والأفراد في الكيانات السياسية المختلفة أو المؤسسات المدنية، التي من المفروض أن تعدّ الفرد للحياة المقبلة، فهذا شأن خاص، إنما الذي يهددها هو طغيان التعصب والكراهية وغياب الفضائل المدنية كالتسامح والحوار العقلاني في المجتمع، عبر هيمنة الأغلبية المخزنية وما يسبح في مجراها بـشرعية انتخابية مكشوفة واحتكارها للمجال السياسي.
إذ أن هيمنة هذه الأغلبية ستعيد إنتاج أشكال جديدة من عدم المساواة وأنماط أخرى من التمييز المصحوب بالعنف السياسي والقهر، وخاصة حينما تغدو تلك الأغلبية مستأثرة بالسلطة السياسية وتكون مصدراً للتشريع والقوانين، فتعمد إلى إقصاء الأقلّية ( الديموقراطية ) وتهميش إرادتها. إن كل استبعاد صريح أو ضمني لهذه الأقلية يتنافى مع قاعدة تكافؤ الفرص والمساواة، ومطلب خضوع الأقلية ديموقراطياً للأكثرية لا يعني بالضرورة انتهاك حريتها والإخلال بمبدأ المساواة وإقصاء الأقلية، لأن الغاية من ترجيح إرادة الأكثرية ليست فرض هيمنتها أو طغيانها، بقدر ما هي ضمان حقوق الأقلية وممارستها. إ
ن الديمقراطية هنا كوسيلة ستؤول إلى تقويض ذاتها كغاية وتتعارض معها، وخاصة عندما تمتص فئة معيّنة أو طائفة إرادة الكل في إرادتها الأيديولوجية أو المذهبية الخاصة، وتطابق بين إرادتها وإرادة الحكم فلا تعود تهدف إلى الخير العام والمنفعة المشتركة. وهكذا تكون الأغلبية خطيرة بحكم أنها أغلبية نمطية في السلطة، كذلك تكون الأقلية مشبوهة ومارقة في نظر سلطة الأغلبية، لا بموجب واقعها، وإنما بموجب نواياها ومقاصدها المختلفة وطموحها إلى المساواة، وأيضاً بموجب حذرها الدائم وارتيابها في ادّعاء الأغلبية في السلطة بتمثيل الإرادة العامة وتجسيدها. إن الكفاح ضد هذه العلاقة غير السويّة نابع من الخوف المشروع من رؤية الديمقراطية وهي تندحر على يد الأغلبية لتستحيل إلى أشد أشكال الاستبداد تخلفاً.
ينبغي علينا استحضار قاعدة المساواة في المواطنة وفي الحقوق الطبيعة التي تفرضها صفتنا كبشر، وتكمن في طبيعة الإنسان بالذات. فحسب الكائن أن يكون إنساناً حتى تكون له تلك الحقوق، فهي حقوق سابقة على أي انتماء أو وضع ديني أو سياسي أو عشائري. وبما أنه لا يمكن لأي إنسان أن يكون إنساناً أكثر من سواه أو أقل، وبما أن صفته كإنسان لايمكن استعارتها أو التخلّي عنها، مثلما أفادنا فلاسفة الحق الطبيعي، فإن كل فرد يحمل في ذاته حقه كإنسان وهذا الحق واحد لجميع الناس، بصرف النظر عن هويتهم الدينية أو السياسية أو العشائرية.
فإذا كان النظام الديمقراطي هو شكل الحكم الذي يجسد المساواة في كافة المواطنين، فإنه من الضرورة بمكان إنجاز تحول حاسم عبر الانخراط الفعّال في الشأن العام والمساهمة فيه، وتحريرهم من العوائق الموضوعية والبنيوية التي تمنعهم من الوصول إليه، وتحول دون مشاركتهم الحقيقية في الحياة العامة. ولأجل تحقيق هذا الهدف فإنهم بحاجة إلى مؤسسات مدنية قويّة مشجعة تمكنهم من تخطي مأزق العزلة السياسية والانطواء واللامبالاة، وترقى بهم إلى المواطنة الديمقراطية الايجابية.
غير أن هناك فرقا كبيرا بين المنطق الاقصائي البحت الذي يركز أحاديا على الاستبداد من ناحية، والحاجة إلى إدراك أشمل وأعمق لقيمـة الحريـة والكـرامـة الديمقراطية والحقوق الأساسية للإنسان في الثقافة السياسية الملتزمة، باعتبار ذلك كله قيما يجدر الدفاع عنها بحد ذاتها حتى يكـون هناك أي معنى للحـديث عن مشروع وطني للتقدم والتحرر.
فبرغم أن هذا المنطق قـد أصبح يبـدي اهتماما دعائيا مغلوطا بمسألة الديمقراطية، فإنه سريعا ما يتخلى كلية عن الديمقراطية في أول امتحان جاد لمبادئه وركائزه الأخـلاقيـة والسياسية. وذلك لأنه لم يستوعب تمامـا النتائج المنطقيـة للاعتراف بالضرورة الديمقراطية. ويقع هذا المنطق في مغـالطـات سـاذجـة،
إذ يتصـور أن مجرد إقـرار الديمقراطية على مقاسه - كنظام سياسي ونمط حياة - سوف يفضي تلقائيا إلى اختيـار الشعب للتوجهـات السياسية والإستراتيجية له. والافـتراض المستتر وراء هذه المغـالطـة هـو أن أصحاب هذا المنطق والتوجهات الاستبدادية التي على شاكلتها تعيق التوجه الجماهيري المتدفق أصلا لتحقيق الديموقراطية الحقة ومواصلة النضال ضد السياسات الاقصائية المتعاقبة قسرا. كما أنها لا تدرك أن للديمقراطية عاداتها الذهنية إضـافـة لأسسها ومرتكزاتها الأخلاقية والسياسية.
ومن أهم هذه العادات احترام الجـماهير واختياراتها الحرة. ويملي هذا الاحترام الإقلاع نهائيا عن الاعتقاد بـوجود "وعي زائف" عنـد الجـماهـير عندما لا تختـار الوعـي الخاص بالنخبة التسلطية. ودون الإقلاع عن فكرة "الوعي الزائف" لما سوف يكون هناك دائما إغواء الإحـلال القسري العنيف لوعي الجـماهير بـوعي من يزعم لنفسه الحقيقة وحق القيادة من بين النخب السياسية التي لم تستفد من التجارب.