الوقفة ضد التطبيع بمراكش       كلب       حرب بيانات بين مكونات المجتمع المدني وحزب الاصالة والمعاصرة بجهة تازة الحسيمة تاونات       وزارة الداخلية تحجز على جريدة أخبار اليوم       ماالكم ...كيف كيف !!!       العيش على وسادة التراث لا يكفي       الإصلاح الجامعي الجديد والمجازفة بمستقبل الجامعة المغربية       إصدار جديد عن مؤسسة آفاق للدراسات والنشر والاتصال مراكش.       اليوم العالمي للمدرس على ايقاعات الاحتجاج أمام وزارة اخشيشن       العين المخيفة       

الرئيسة


الوطنية


الثقافية


الرياضية


المنوعة


نادي الصحافة


المحلية


العربية


 

 



المسائية العربية » الأخبار » المنوعة » بالصورة


المجالس الجهوية للحسابات والمنتخبون المحليون

  
للمسائية العربية: ذ. حسن عامر
باحث في القضاء المالي والتنمية المحلية
تعتبر المحاكم المالية "إطارا قضائيا قائما لحماية المال العام من أن تمتد إليه أيدي العبث والتسيب واستغلال النفوذ". غير أنها تعرف بعض الاشكالات المتمثلة في رفض المساءلة والتي تظل رهينة بمدى ترسيخ ثقافة تقديم الحساب في أوساط الخاضعين لرقابة هذه المحاكم و بمستوى نضجهم السياسي والمعرفي.


فقد خلفت أعمال المجالس الجهوية للحسابات، وبخاصة على المستوى المحلي، نوعين من ردود الفعل والمواقف في صفوف الخاضعين لرقابتها. يتميز الموقف الأول بالمسؤولية والانخراط في عملية الشفافية والمساءلة من خلال استجابة أصحابه لملاحظات وتوصيات هذه المحاكم نظرا لأهميتها في تقويم التدبير والرفع من جودته وفعاليته، واستعدادهم للمتابعة المقررة ضدهم قصد الدفاع عن أنفسهم وتبرئة أفعالهم. أما الموقف الثاني، فيتميز برفض المساءلة التي تتجسد في مقاومة أصحابه لعمل هذه المحاكم والتقليل من أهمية ملاحظاتها وتوصياتها والرد بعنف على المتابعات التي تقررت ضدهم عن طريق توجيه اتهامات غير مسؤولة والتدرع بأسباب واهية ومغلوطة.

وإذا كان هذا الموقف الأخير يوحي بأن أصحابه لا يرغبون في تفعيل الرقابة القضائية على المال العام وتعزيز مكانة المحاكم المالية إلى جانب مثيلاتها في القضاء العادي والمتخصص، فإنه يكشف، في نفس الوقت، عن تخوف المنتخب المحلي من تحيز القاضي المالي عند إثارة مسؤوليته وتقرير المتابعة ضده، وكذا من تأثر سمعته الانتخابية أمام المواطن الذي أصبح الآن يطلع أكثر مما سبق، بفضل هذه المحاكم، على الطريقة التي تدار بها شؤونه.

وفي هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أن مدونة المحاكم المالية، حرصا منها على حياد القاضي المالي ونزاهته، جاءت بمجموعة من الإجراءات التي تضمن التزام القضاة بمسؤوليتهم الجسيمة بمنأى عن كل الاعتبارات الذاتية والمؤثرات الخارجية.

أولا- التخوف من تحيز القاضي المالي:

من الاتهامات التي وجهت للقضاة من طرف أصحاب هذا الموقف، نجد مسألة الانتماء السياسي والتحيز لجهاة معارضة لرئيس المجلس التداولي ولطريقته في التدبير. وفي هذا الصدد، لابد من الإشارة إلى أن عمل القاضي المالي تؤطره مجموعة من القواعد والضوابط المهنية والقانونية التي تشكل ضمانات أساسية لحياده، و يترتب عن عدم احترامها تعريضه لمجموعة من العقوبات في حالة ثبوت الخطأ ضده.

فتطبيقا للمادة 186 من مدونة المحاكم المالية، يتوجب على القاضي المالي أداء اليمين القانونية قبل الشروع في مزاولة عمله. ويلتزم بموجبها بأن يقوم بأداء مهامه بوفاء وإخلاص وأن يحافظ كل المحافظة على سرية المداولات ويسلك في ذلك مسلك القاضي النزيه المخلص، كما يلتزم بالتقيد بواجباته المهنية وبالشرف والوقار والكرامة وبقواعد كتمان السر المهني وبالتزام التحفظ.

وتحصينا له من التحيز لهذا المسؤول أو ذاك والتمييز بين الأشخاص بناء على أساس انتماءاتهم السياسية، يمنع القاضي، بموجب المادة 181 من المدونة، من ممارسة كل نشاط سياسي أو اتخاذ موقف يكتسي صبغة سياسية. كما يمنع عليه، بموجب المادة 183، ربط مصالح في جهاز تجري عليه رقابة المحاكم المالية، بصفة شخصية أو بواسطة الغير وتحت أي اسم كان. و يتوجب عليه في هذه الحالات أن يتنحى بنفسه عن القيام بالمراقبة أو النظر والبت في الأمر المعروض عليه، خشية من أن يتعرض حياده للخطر ويعجز بالتالي عن القيام بواجبه  بنزاهة واستقلالية.

ويعتبر إخلال القاضي بهذه الواجبات والضوابط المهنية خطأ من شأنه أن يعرضه لإحدى العقوبات التأديبية المنصوص عليها في المادة 226 من المدونة. وتختلف هذه العقوبات باختلاف درجة الخطورة وتتدرج من الإنذار إلى العزل مرورا بالتوبيخ وتأخير الترقية والحذف من قائمة الأهلية والإقصاء المؤقت عن العمل والقهقرى في الدرجة والإحالة على التعاقد. ولاشك في أن هذه المحاكم  المالية لها من الأجهزة والإمكانات ما يؤهلها لضبط سلوك القاضي والتأكد مما يشاع حوله من ادعاءات أو تفنيدها.

كما يرتب هذا الإخلال، من حيث المبدأ لفائدة الشخص المتابع أمام المحاكم المالية، الحق في تجريح القاضي المالي قصد إبعاده عن القيام بإجراءات التحقيق أو الحكم في الموضوع  قبل أن يبدو منه أي تحيز أو غش، قياسا على قواعد المسطرة الجنائية التي تنظم هذا الحق فيما يتعلق بالجرائم. وذلك على الرغم من خلو مدونة المحاكم المالية من المقتضيات التي تؤكد هذا الحق أو تحيل في هذا الإطار، على مقتضيات قانون المسطرة الجنائية.

غير أن قيام القاضي المالي، انطلاقا من الصلاحيات التي يتمتع بها بموجب القانون، بالاستماع  إلى الشهود والأشخاص بمن فيهم أعضاء المعارضة الذي يرى بأن إفادتهم ضرورية، وكذا قيامه بعملية التحقيق والتحري انطلاقا من العناصر المتضمنة في تقرير ما أو شكاية أو وشاية...، لا يشكل تحيزا لجهة معينة ولو كانت معارضة للشخص المسؤول عن التدبير أو الشخص المتابع من طرف المحاكم المالية.

ولا يؤدي القيام بهذه الإجراءات، عندما يتعلق الأمر بالمتابعة القضائية، إلى تجريح المستشار المكلف بالتحقيق من طرف المعني بالأمر ما دامت مهمته تستدعي أن يتمتع بحرية في العمل وسلطة في تقدير الإجراءات التي يراها ضرورية للبحث عن الحقيقة وتمكين الهيئة من البت في الموضوع إما بإدانة الشخص المتابع أو تبرئته من الأفعال المنسوبة إليه. 

ثانيا- الخوف على المستقبل السياسي للمنتخب المحلي:

لاشك أن  إجراء مراقبة التسيير ونشر نتائجها في الجريدة الرسمية يساهمان في ترسيخ مبادئ الحكامة المحلية من خلال تحقيق الشفافية اللازمة للتدبير العمومي إلى جانب تحسيس وتوعية المسؤولين على تدبير الشأن المحلي بالأخطاء التي يرتكبونها. غير أن ذلك ليس بدون أثر على الحياة السياسية للمنتخب؛ فمن شأن نشر الأخطاء التي يرتكبها مسؤولو الأجهزة العمومية المحلية أن يؤدي إلى فقدان ثقة المواطنين فيهم وبالتالي معاقبتهم سياسيا بعدم إعادة انتخابهم لولاية جديدة.

لذلك، تشكل هذه العملية، نقطة خلاف بين المحاكم المالية  والمنتخبين المحليين ومصدر قلق دائم لهم. فلقد اعتاد هؤلاء على زمن لم يكن يتمتع فيه المواطن بحق الإخبار والتوصل بالمعلومات ولم يألفوا بعد عهد الشفافية والمحاسبة الذي يقدم فيه كل مسؤول حسابه وتتولى فيه مؤسسات قضائية مستقلة عملية كشف أخطائه وتمكين المواطن من المعلومات الضرورية للحكم على مرحلة التدبير الخاص بهذا المسؤول أو ذاك.

ولتحقيق نوع من التوازن بين السلطات التي تتمتع بها المحاكم المالية وحقوق الخاضعين لها في الدفاع عن أنفسهم وصيانة حقوقهم، فقد تم تحديد مجموعة من الإجراءات التي تنظم عملية المراقبة والنشر. وفي هذا الاطار، تشير المادة 80 من مدونة المحاكم المالية الى ضرورة اعتماد مسطرة تواجهية أثناء عملية التحري بهدف إقامة جسر تواصلي بين المستشار المقرر المكلف بالمراقبة  والشخص المسؤول عن الجهاز الخاضع للمراقبة ومنحه آجالا كافية للإدلاء بتعقيباته وملاحظاته. ويعتبر استكمال هذا الاجراء شرطا ضروريا لجهوزية عمل المستشار المقرر وإدراجه في جدول الجلسات.

هذا، ولا يصبح هذا العمل نهائيا، قبل التداول بشأنه على مرحلتين من طرف هيئة تتشكل من خمسة قضاة، تنفيذا لمقتضيات المادتين 82 و 84 من المدونة. بحيث  تتداول هذه الهيئة في المرحلة الأولى، بشأن تقرير أولي يعده المستشار المقرر بناء على الملاحظات التي يسجلها أثناء عملية المراقبة وتعقيبات المعنيين بالأمر، وتتداول في المرحلة الثانية، بشأن مشروع التقرير النهائي (التقرير الخاص) بناء على نتائج المداولة السابقة وعلى نتائج التحريات التكميلية عند الاقتضاء وتعقيبات مسؤولي الأجهزة المعنية.

وتطبيقا للمادة 99 من المدونة، يتمتع الشخص المسؤول عن الجهاز المعني بالأمر بحق التوصل بالملاحظات التي ستدرج في التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات والرد عليها قبل نشرها. وذلك، قصد تمكينه من الإدلاء بتعقيباته وتبريراته التي تضم وجوبا إلى التقرير السنوي إما بشكل كامل أو مختصر، كما يتبين من خلال الاطلاع على محتوى هذا التقرير.

غير أن هذه الإجراءات المعتمدة في إطار مراقبة التسيير، وعلى الرغم من أهميتها، تحتاج إلى استكمال وتعزيز خاصة فيما يتعلق بفرض آجال للحياد للحيلولة دون إجراء هذه المراقبة أو نشر نتائجها خلال الفترات التي تسبق الانتخابات.

الخلاصة

إن واجب المحاسبة والمساءلة يفرض على كل من يخوض تجربة التدبير العمومي سواء على المستوى الوطني أو المحلي، أن يعي جيدا حجم المسؤولية المنوطة به، خاصة مع وجود مؤسسات قضائية تتابع عمله وتراقب أفعاله وتفتحص طريقة تدبيره وتعاقبه عند الاقتضاء، على الأخطاء التي يرتكبها ولا يحد من سلطتها في ممارسة حق الدولة في المراقبة والعقاب إلا ما يتمتع به هؤلاء من ضمانات وحقوق.

لذلك، فالعلاقة مع المحاكم المالية يجب أن تنبني على الأسس القانونية المنظمة لها. وفي هذا الإطار،  يتعين على المنتخب المحلي - وبدل أن يطلق العنان لتصريحات مغلوطة وعشوائية كأن يدفع خطأ بالصفة البرلمانية أو يتذرع بوقائع من شأنها المس بشرف وسمعة القاضي- أن يطلع على الضمانات والحقوق التي يتمتع بها وأن يساهم، بصفته عضوا في البرلمان ووزيرا ومسؤولا حكوميا، في فتح نقاش جاد ومسؤول حولها ويعمل على معالجة نواقصها بالشكل الذي يضمن حماية مصلحة المجتمع ويراعي مصلحة الأفراد في الوقت ذاته.


(ملحوظة: تم نشر هذا الموضوع بجريدة أخبار اليوم عدد 163 بتاريخ 08 شتنبر 2009.)


المشاركة السابقة : المشاركة التالية



أظف الصفحة لمفضلتك


اعلانات


القائمة البريدية


تسجيل الدخول


المستخدم
كلمة المرور

إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك

 

By: JWD

جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية.

-